المواضع التي تشرع فيها الاستعاذة
و البسمَلةُ و هي : بسمِ اللهِ , تُشرعُ في بعضِ المواضعِ على وجه الشرطيَّةِ , و تشرعُ في بعضِها على وجهِ الاستحبابِ . فذكرُ اسمِ الله عزَّ و جلَّ شرطٌ في موضعين : عندَ الوضوءِو عند الذبحِ .
أمَّا عندَ الوضوءِ , فقدْ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه و آلهِ وسلَّمَ :
(لا صَلاةَ لمن لا وضوءَ لهُ , و لا وضوءَ لمن لم يذكرْ اسمَ اللهِ عليه) .
فقولُه : (ولا وضوءَ لمن لم يذكر اسمَ اللهِ عليه) , كقولِه : (لا صلاةَ لمن لا وضوءَ له) .
و كما أنَّ المعنى : لا صلاةَ صحيحةً لمن لا وضوءَ له , فإن قوله : (ولا وضوءَ لمنْ لم يذكر اسمَ الله عليه) , أيضا معناهُ : لا وضوءَ صحيحا لمن لم يذكرْ اسمَ اللهِ عليه . فالتسميةُ في أولِ الوضوءِ شرطٌ في صحةِ الوضوءِ , و كذلكَ التسميةُ عندَ الذَّبحِ شرطٌ في حِلِّ الذبيحةِ ؛ لأنَّ اللهَ أمرَ بالأكلِ مما ذُكِرَ اسمُ اللهِ عليه , و نهى عن الأكلِ مما لم يذكرْ اسمُ اللهِ عليه فقالَ عزَّ وجلَّ :
{فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ }الأنعام118
و قالَ :
{ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ }الأنعام121
فالتسميةُ في هذين الموضعينِ شرطٌ , لا تحلُّ الذبيحةُ إذا تُركَتْ التسميةُ عمدا , و لا يصِحُّ الوضوءُ إذا تُركت التسميةُ عمدا . أمَّا الجاهلُ و النَّاسي عندَ الوضوءِ , و عندَ الذبحِ فنرجو اللهَ لهما العافيةَ , لأن اللهَ علَّمَنَا في دعائنا إياهُ أنْ نقولَ :
{ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا}البقرة286
و قد صحَّ في الحديثِ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ اللهَ قالَ : (نعم) .
نعم لن أؤاخذَكم إذا نسيتم أو أخطأتم .
و مما تُشرَعُ عندَهُ التسميةُ على وجهِ الاستحبابِ عندَ الأكلِ و الشربِ , فيُستحبُّ لمنْ أرادَ الأكلَ أنْ يذكرَ اسمَ اللهِ , و يستحبُّ لمنْ أرادَ الشربَ أن يذكرَ اسمَ اللهِ ؛ فإنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالَ :
(إنَّ الشيطانَ يستحِلُّ الطعامَ ألا يُذكرَ اسمُ اللهِ عليه ) .
بمعنى: إنَّ الشيطانَ يستحلُّ الطعامَ إذا لمْ يذكرْ اسمُ اللهِ عليه .
و لمَّا أكلَ عمرُ بنِ أبي سَلَمةَ , ربيبُ النبيِّ عليه الصلاةُ والسلامُ معه , طاشَتْ يدُه في الصَّحْفةِ فقالَ له النبيُّ عليه الصلاةُ و السلامُ :
(يا غلامُ , سمِّ الله , و كلْ بيمينِك ,و كلْ مما يليكَ) .
و قال عليه الصلاةُ و السلامُ :
(إذا نَسيَ أحدُكم أنْ يقولَ عندَ أكلِهِ : بسمِ اللهِ , فليقلْ عندَ فراغهِ : بسمِ اللهِ في أولِه و آخرِهِ) .
و تُستحبُّ التسميةُ عندَ إرادةِ التعرِّي ؛ فإذا أردتَ أن تستبدِل ثيابَك ,قبلَ أنْ تتعرَّى قلْ : بسم الله , حتى لا يراكَ الشَّيطانُ , فإنَّ اللهَ تعالى قالَ في حقِّ الشيطانِ :
{ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ }الأعراف027
فإذا ذكرتَ اسمَ اللهِ قبلَ أن تتعرَّى , جعلَ اللهُ بينَك و بينَ الشيطانِ حجابا مستورا ,كما في الحديثِ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال :
(سترُ ما بين عوراتِ بني آدم و بينَ الجنِّ أنْ يقولَ أحدُهم : بسمِ اللهِ) .
وكذلكَ تُستحبُّ التسميةُ عندَ دخولِ الخلاءِ ؛ أي عندَ إرادةِ دخولِ الخلاءِ لذلك المعنى . و أنتَ قائمٌ على البابِ قبلَ دخولِ الخلاءِ قلْ : بسمِ اللهِ , حتى لا تراكَ الشياطينُ قلْ:
(بسم ِاللهِ ، اللهمَّ إني أعوذُ بكَ مِنَ الخُبُث و الخبائث).)
كما تستحب التسمية عند الجِماعِ, لقولِهِ عليه الصلاةُ و السلامُ :
(لو أنَّ أحدَكم إذا أرادَ أنْ يأتيَ أهلَهُ قالَ : بسمِ الله , اللهم جنِّبْنَا الشيطانَ و جَنِّبْ الشَّيطانَ ما رزقْتَنَا , فإنَّهُ إنْ قُدِّرَ بينهما ولَدٌ , لم يكنْ للشيطانِ منهُ نصيبٌ ) .
كما تُستحبُّ التسميةُ عندَ دخولِ البيتِ , فإذا دخلتَ دارَكَ فقُلْ :
( بسمِ اللهِ ) , و سلِّم على أهلِكَ تحيةً طيبةً مباركةً منْ عندِ اللهِ عزَّ و جلَّ).
فإنَّكَ إذا ذكرتَ اسمَ اللهِ عندَ دخولِكَ , خرجَ الشيطانُ . و إذا غفلتَ عن ذكرِ اللهِ عند دخولِكَ , و عندَ عشائكَ تعَشَّى الشيطانُ معكَ و باتَ , كما في الحديثِ عن النبيِّ عليه الصلاةُ و السلامُ :
(إنَّ الرجلَ إذا دخلَ دارَهُ فذكرَ اسمَ اللهِ , و حضرَ طعامُه فذكرَ اسمَ اللهِ . قالَ الشَّيطانُ لأعوانِهِ : لا مبيتَ لكم و لا عشاء . فإذا دخلَ فلم يذكرْ اسمَ اللهِ , و حضر طعامُه فلم يذكرْ اسمَ اللهِ قالَ الشيطانُ لأعوانِهِ أدركتُمُ العشاءَ و المبيتَ ) .
فلا يُنْسِينَّكَ الشيطانُ ذكرَ اللهِ عندَ دخولِ بيتِكَ . و أنتَ تفتحُ البابَ قلْ : بسمِ اللهِ , السلامُ عليكم , حتى تهربَ الشياطينُ منكَ .
كما تُستحبُّ التسميةُ عندَ خروجِك من البيتِ , كما في الحديثِ عن النبيِّ عليه الصلاةُ و السلامُ أنَّهُ قالَ :
منْ قالَ (يعني إذا خرجَ من بيتِه) : بسمِ اللهِ , توكلْتُ على اللهِ , و لا حولَ و لا قوةَ إلا باللهِ , يُقالُ له : هُديتَ و كُفيتَ و وقيتَ , و تَنَحَّى عنهُ الشَّيطانُ يومَه ذاكَ) .
و في روايةٍ : (فيقولُ الشيطانُ لآخرَ كيفَ لكَ برجُلٍ قدْ هُديَ و كُفيَ و وقيَ ) .
و تُستحبُّ التسميةُ عندَ دخولِ المسجدِ و عندَ الخروجِ منهُ :
(فإذا دخلْتَ المسجدَ فقدِّمْ رجلَكَ اليمنى , وقُلْ : بسمِ اللهِ اللهمَّ صلِّ على محمدٍ و سلِّم ، اللهمَّ افتحْ لي أبوابَ رحمتِكَ . و إذا خرجْتَ قدِّم رجلَك اليسرى و قلْ : بسمِ اللهِ , اللهمَّ صلِّ على محمدٍ و سلِّمْ ، اللهمَّ اغفرْ لي ذُنوبي) .
كما تُستحبُّ التسميةُ عندَ الرُّقيةِ , فقدْ أمرَ النبيُّ عليه الصلاةُ و السلام ُمَنْ اشتكَى , أنْ يضعَ يدَهُ اليمنى على موضعِ الألمِ و يقولَ :
(بسمِ اللهِ , ثلاثا , أعوذُ بعزةِ اللهِ و قدرتِه مِن شرِّ ما أجدُ و أحاذِرُ , سبعا) .
و في الحديثِ أنَّ جبريلَ أتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقالَ :
(يا محمدُ , اشتكيت ؟ قالَ الرسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ : نعم . قالَ جبريل : بسمِ اللهِ أرقيكَ , مِنْ كُلِّ داءٍ يؤذيكَ , و مِنْ شرِّ كلِّ عينٍ و حاسِدٍ , اللهُ يشفيكَ) .
فهذهِ بعضُ المواضعِ التي تُستحبُّ فيها التسميةُ .
و منَ الجديرِ بالذِّكرِ أنَّهُ ينبغي لمن ذَكرَ اسمَ اللهِ , أنْ يقتصرَ على قولهِ : بسمِ اللهِ و لا يزيدَ :الرحمنِ الرحيمِ ؛ لأنَّ الأذكارَ توقيفيَّةٌ , لا تجوزُ الزيادةُ عليها , و لا النقصُ منها , كما في الحديثِ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ للبراءِ بنِ عازبٍ :
( إذا أويتَ إلى فراشِكَ , فتوضَّأ وضؤكَ للصلاةِ , و اضطَجِعْ على شِقِّكَ الأيمنِ ثم قُلْ : اللهمَّ أسلمْتُ نفسي إليكَ , و وجَّهْتُ و جهي إليكَ , و فوَّضتُ أمري إليكَ , و ألجأتُ ظهري إليكَ , رغبةً و رهبةً إليكَ , لا ملجأ و لا مَنْجى مِنك إلا إليكَ , آمنتُ بكتابِك الذي أنزلْت َو نبيِّكَ الذي أرسلْتَ , ثمَّ قالَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ : حفظتَهُنَّ ؟ قالَ : نعم يا رسولَ اللهِ . قالَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : اقرأ عليَّ . فلمَّا انتهى إلى قولِه : و نبيِّكَ الذي أرسلْتَ , قالَ : و رسولِكَ الذي أرسلْتَ . قالَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ : لا , و نبيِّكَ الذي أرسلْتَ) .
فالبراءُ استبْدلَ لفظَ نبيكَ , بلفظِ رسولِك , قال : و رسولِكَ الذي أرسلتَ لكنَّ الرسولَ صلَّى اللهُ عليه و سلَّم لم يؤيدْهُ على ذلِك.قال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : لا, و نبيِّكَ الذي أرسلتَ ؛ أي قلْ : و نبيِّكَ الذي أرسلْتَ.
فالألفاظُ الشرعيةُ تعبديَّةٌ توقيفيَّةٌ , لا تجوزُ الزيادةُ عليها , و لا النَّقصُ مِنها. فإذا أردتَ الوضوءَ قلْ : (بسمِ اللهِ) , لا تقُلْ : (بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ) . و عند الأكلِ قلْ : (بسمِ اللهِ) , لا تقل : (بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ) , لأنَّ النبيَّ عليه الصلاةُ و السلامُ قالَ : إذا أرادَ أحدُكم الخلاءَ فليقُلْ : (بسمِ اللهِ ، اللهمَّ إني أعوذُ بكَ مِنَ الخُبُثِ و الخَبائثِ) ,فهلْ يجوزُ منْ حيثُ الروايةِ , أنْ ترويَ أنتَ ؛ أي أنْ تقولَ : قالَ عليه الصلاةُ والسلامُ : (إذا دخلَ أحدُكم الخلاءَ فليقُلْ بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، اللهمَّ إني أعوذُ بكَ مِن الخُبثِ و الخبائثِ) ؟ لا تجوزُ الروايةُ بالزيادةِ , لأنَّ النبيَّ لم يقلْ هكذا . إذنْ هذه الزيادةُ باطلِةٌ . فكما لا تجوزُ الزيادةُ في الروايةِ , لا تجوزُ الزيادةُ في العملِ .