من المواضيع الشائكة في الدراسات الأدبية هي مقارنة بين مؤلفين من عصور وثقافات مختلفة، وخاصة إذا كانت هذه المقارنة تتعلق بمفهوم الأدب والغرابة، فكيف يمكن أن نقيس مدى غرابة نص أدبي على قارئ من زمن ومكان آخر؟ وهل يمكن أن نجد أوجه اختلاف واتشابه بين مؤلفين عرب وغير عرب في تعاملهم مع هذا المفهوم؟
في هذا السياق، يمكن أن نأخذ على سبيل المثال رحلة الأصعب للزمخشري، والتي تعتبر من أهم الأعمال الأدبية التي تجسد مفهوم الغرابة في الأدب العربي، فالزمخشري يروي فيها قصة سفره من خراسان إلى مكة لأداء الحج، والمصاعب والمغامرات التي واجهها في طريقه، والشخصيات والأحداث التي التقاها في كل محطة من محطات رحلته. ويتميز هذا العمل بأسلوب ساخر وفكاهي، يجعل القارئ يضحك ويبكي في آن واحد، ويستخدم الزمخشري لغة بديعة ومتقنة، تحوي على كثير من المجازات والتشبيهات والحكم والأمثال.
ولعل أبرز مظاهر الغرابة في رحلة الأصعب هو تناقض بين المضمون والشكل، فالزمخشري يصور لنا مشاهد مؤلمة ومروعة من جوع وعطش وبرد وحر وسطو وسجن وضرب وقتل، لكنه يقدمها بطريقة مضحكة وسلسة، كأنه يستهزئ بالمصائب التي أصابته، أو يحاول التخفيف من حدتها بالضحك عليها. وهذا يجعل القارئ يشعر بالدهشة والانبهار من قدرة الزمخشري على التلاعب باللغة والسخرية من الواقع.