في حيّنا القديم، حيث تتشابك الحكايات كخيوط العنكبوت، كانت تعيش أمينة، امرأة تجاوزت الستين، تجلس كل مساء على عتبة بيتها تراقب المارة بعينين ذابلتين. لم تكن أمينة وحيدة بالمعنى الحرفي، فقد كان لها ابن يعمل في مدينة بعيدة يزورها بين الحين والآخر، لكن وحدتها كانت أعمق من مجرد غياب جسدي.
كانت أمينة تعاني من تجاهل المجتمع لكبار السن. لم يكن أحد يتوقف ليحادثها بصدق، أو يسألها عن حالها بقلب مفتوح. الشباب يمرون مسرعين غارقين في هواتفهم، والجيران يكتفون بإلقاء التحية العابرة. حتى المناسبات الاجتماعية كانت تمر عليها وكأنها قطعة أثاث قديمة في زاوية مهملة.
في أحد الأيام، مرضت أمينة ولم تستطع النهوض. حاولت الاتصال بابنها لكنه لم يجب. بقيت أيامًا تعاني بصمت، جسدها يئن وروحها تذبل. لم يلاحظ أحد غيابها عن عتبة الدار. لم يسأل أحد أين اختفت أمينة.
بعد أسبوع، عاد الابن ليجد أمه هامدة في فراشها. صرخ وبكى، لكن بكاءه لم يعد يجدي نفعًا. لقد رحلت أمينة بصمت، ضحية لوحدة قاتلة وتجاهل مجتمع فقد بوصلة الإنسانية. رحلت وتركت فراغًا لم يشعر به إلا ابنها، بينما استمر الحي في صخب الحياة وكأن شيئًا لم يكن.