بسم الله الرحمن الرحيم
إن الدليل على أن الله سبحانه وتعالى تكفّل بحفظ القرآن الكريم من التحريف والتغيير يتجلى في عدة جوانب رئيسية:
وعد الله الصريح في القرآن الكريم
أولاً وقبل كل شيء، يأتي وعد الله سبحانه وتعالى الصريح في القرآن الكريم نفسه، حيث قال تعالى في سورة الحجر: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" (الآية 9). هذه الآية هي نص قطعي الدلالة على أن الله تعالى تكفّل بحفظ القرآن الكريم، واللفظ "الذكر" هنا يقصد به القرآن الكريم بإجماع المفسرين. وهذا الوعد الإلهي المطلق هو الضمان الأساسي لسلامة القرآن.
تواتر القرآن الكريم
ثانياً، طريقة نقل القرآن الكريم من جيل إلى جيل كانت بالتواتر، وهو ما يعني نقله عن طريق جمع غفير يستحيل تواطؤهم على الكذب، ويستحيل عادةً أن يحدث فيه تحريف أو تغيير. فقد قام الآلاف من الصحابة بحفظ القرآن كاملاً، ثم تبعهم آلاف التابعين، وهكذا في كل جيل. هذه السلاسل المتواترة من الحفظ والقراءة والتلقين جعلت من المستحيل على أي أحد أن يضيف حرفاً أو ينقص حرفاً أو يغير كلمة دون أن يتم كشفه على الفور.
سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وكتابة القرآن
ثالثاً، اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة القرآن الكريم فور نزوله، حيث كان يأمر كتاب الوحي بكتابة الآيات والسور التي تنزل. لم يكتفِ النبي صلى الله عليه وسلم بالحفظ الشفهي، بل جمع بينه وبين التدوين والكتابة، وهذا يدل على حرص شديد على تثبيت النص القرآني. وقد جُمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ثم نُسخ في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه ووزعت هذه النسخ على الأمصار لتوحيد القراءة، مما قطع الطريق أمام أي محاولة للتحريف.
حفظ الأمة للقرآن
رابعاً، حفظ الأمة الإسلامية للقرآن الكريم في صدورها وعقولها عبر العصور. فملايين المسلمين حول العالم يحفظون القرآن كاملاً عن ظهر قلب، من الأطفال الصغار إلى كبار السن. هذا الحفظ الجماعي المستمر على مدار أكثر من أربعة عشر قرناً هو بمثابة سد منيع ضد أي محاولة للتحريف أو التغيير، فلو أن أحداً حاول تغيير كلمة أو حرف، لقامت الملايين من حافظي القرآن بتصحيح ذلك فوراً.
سلامة النص القرآني عبر العصور
خامساً، مقارنة المخطوطات القديمة للقرآن الكريم الموجودة في المتاحف والمكتبات حول العالم مع المصاحف المتداولة اليوم. جميع هذه المخطوطات، حتى تلك التي يعود تاريخها إلى القرون الأولى للإسلام، تتطابق تماماً مع النص القرآني الموجود بين أيدينا اليوم. هذا التطابق يؤكد بشكل قاطع أن القرآن الكريم لم يمسه أي تحريف أو تغيير على مر العصور.
كل هذه الأدلة مجتمعة، من الوعد الإلهي إلى تواتر النقل وكتابة القرآن وحفظ الأمة له وسلامة مخطوطاته، تدل بوضوح قاطع على أن الله سبحانه وتعالى قد تكفل بحفظ القرآن الكريم من أي تحريف أو تغيير، وهو ما يميزه عن سائر الكتب السماوية الأخرى.