غسان يعرف ما هو التلوث
> في الصَّبَاح، سَمِعَ غَسانٌ المذيعَ في التلْفازِ يتحدّث عن التلوّث وأخطارِهِ على حياةِ الإنسانِ والحيوانِ والنباتِ.
وعندَ الظهرِ، سَمِعَ غسانٌ والدَهُ يتَأَفَّفُ، ويَقُولُ: أُفٍّ... كَمْ هو الهواءُ مُلوَّثٌ اليومَ!
بعدَ الظهرِ، رافَقَ غسانٌ أمَّهُ في نزهةٍ سَيراً على الأقدامِ. وفي الطريقِ، سألَها: أمّي ماذا يعني التلوّثُ؟
وقبلَ أن يسمعَ جوابها عن سؤاله، مرَّتْ بالقرب منهما سيارةٌ لها صوتٌ غريبٌ: فوو فوو فوفوو فوووو.
وأمتلأَ المكانُ دُخاناً أسودَ كثيفاً.
سَحَبَتْ أمّ غسانٍ ولدَها بَعيداً وهي تَسعُل، وغسانٌ ينظرُ إليها وهو يسعُل ويسعُل كأنَّه موشكٌ على الاختناقِ.
توقّفت أمُّ غسانٍ جانباً. راحتْ تنظُرُ إلى الدخانِ الأسودِ الذي كان يخرُجُ مِنَ السيارةِ، وأشارتْ بِيَدِها إليه، وقالتْ لغسان: هذا هو التلوُّثُ...
ظلَّ غسانٌ يسعُلُ، لكنّه ابتسَــمَ لأنّـهُ عـرفَ مـا هـو التلوّث.
وفي الطريقِ مرَّ غسانٌ وأمّه بأرضٍ ملأى بأكوامٍ من النفاياتِ، رائحتُها كريهةٌ وقويّةٌ، فوضعتِ الأمُّ يَدَها على أنفها، وقلَّدَها غسانٌ، وَوَضَعَ يَدَهُ على أنفِهِ.
وعندما ابتعدا أدارتِ الأمّ رأسَها، وأشارَتْ بيدها إلى أكوامِ النفاياتِ، وقالتْ لغسان: وهذا أيضاً هو التلوّث.
قال غسّان ويَدُهُ على أنفِهِ:
التلوُّثُ بَشِعٌ... أنا لا أحبُّهُ.
أكملَ غسان وأمّه السيرَ، مرّا بشاطئِ البحرِ... كانا قريبينِ جدّاً منه.
أشارَ غسان بيدِهِ إلى البحر وقال لأمه: انظُري الأوراق وأكياس النايلون كيف تسبَحُ في ماءِ البحرِ.
قالت الأمّ: وهذا أبشعُ أنواعِ التلوّث يا غسان.
وللمرَّةِ الثانية، قالَ غسان:
التلوّثُ بشعٌ... أنا لا أحبُّهُ...
في المساءِ، جلسَ غسان ليرسُمَ كعادَتِهِ... رَسَمَ بسرعةٍ هذه المرّةَ، وأسرعَ إلى أمِّهِ وأبيهِ يحمِلُ ما رسمَهُ.
نظرَ الأبُ إلى الرسمِ، وقالَ لغسان: كمْ هو رسمُكَ جميلٌ يا غسان!
ونظرتِ الأمُّ إلى الرسمِ، وقالتْ: آهٍ ما أجمَلَهُ!
وحَمَلَتِ الرّسمَ وعلَّقتْه على البرّادِ!
وفي اليوم التالي صارَ جميعُ مَنْ في البيتِ ينظرُ إلى البرَّادِ، فيرَى:
بحراً أزرق يَلمعُ ماؤهُ صافياً، وشوارعَ نظيفةً تسيرُ فيها سياراتٌ بغيرِ دُخانٍ، وأرضاً خضراءَ، وشَمساً ذهبيةً، وعصافيرَ تَزقزقُ، ويهتفُ بإعجابٍ:
ما أجملَ، رسْمَكَ يا غسّان!
عن دار الحدائق