تصور ابن رشد لحكم الشريعة على فعل التفلسف هو أن الشريعة تقر التفلسف وتدعو إليه، بل إنها واجبة شرعا لمن كان أهلا لها. وينطلق ابن رشد في تصوره هذا من أن هدف فعل التفلسف هو الوصول إلى معرفة الله، وهذا هو الهدف نفسه الذي تسعى إليه الشريعة.
ويؤكد ابن رشد على أن التفلسف البرهاني المنضبط بالضوابط الشرعية لا يخالف الشريعة وما جاء فيها، بل يوافقها ويشهد لها ويدعهما. ويوضح ذلك بقوله: "إذا كان فعل الفلسفة ليس شيئا أكثر من النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع، فإن هذا هو فعل التفلسف الذي يتم الاعتبار فيه استنباط المجهول من المعلوم، وهو ممارسة للقياس العقلي أي لعلم المنطق. وهذا العلم هو الذي يعلم الإنسان كيفية الاستدلال على وجود الصانع من الموجودات، وهو علم يوافق الشريعة ويشهد لها، لأن الشريعة نفسها تأمرنا بالنظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع".
ويستند ابن رشد إلى عدة أدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية على تأكيده أن الشريعة تدعو إلى التفلسف. ومن هذه الأدلة قوله تعالى: "أفلا ينظرون في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء". وقوله تعالى: "وتلك الأمثال نضربها للناس، وما يعقلها إلا العالمون". وقوله صلى الله عليه وسلم: "تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله".
ويخلص ابن رشد إلى أن التفلسف هو واجب شرعي لمن كان أهلا له، وأن الشريعة لا تخالف التفلسف البرهاني المنضبط بالضوابط الشرعية، بل تدعو إليه وتؤيده.
ويمكن توضيح تصور ابن رشد لحكم الشريعة على فعل التفلسف من خلال النقاط التالية:
- التطابق بين هدف التفلسف وهدف الشريعة: يتفق ابن رشد على أن هدف التفلسف هو الوصول إلى معرفة الله، وهذا هو الهدف نفسه الذي تسعى إليه الشريعة.
- الموافقة بين التفلسف والشريعة: يؤكد ابن رشد على أن التفلسف البرهاني المنضبط بالضوابط الشرعية لا يخالف الشريعة وما جاء فيها، بل يوافقها ويشهد لها.
- الدعوة إلى التفلسف: يدعو ابن رشد إلى التفلسف، ويؤكد على أنه واجب شرعي لمن كان أهلا له.
وهذا التصور لحكم الشريعة على فعل التفلسف هو تصور متقدم وحديث، ساهم في التوفيق بين الدين والعلم في الحضارة الإسلامية.